عيناها لم تكن تكفان عن النظر الي لتبتسم بذلك ابتسامة عريضة لكنها لا تتلاشى تبقى هكذا واضحة و صريحة لدقائق طويلة و عيناها تستمران في التحديق و كانهما تسبران اغوار نفسي، اتحاشى نظراتها في اضطراب ،ارفعهما لثانية مازالت تحملق لتصدر بعد ذلك ضحكات هستيرية.. كهل يفرك يديه في عصبية يقوم بحركات غريبة يجيب في توتر واضح عشرون عاما من الدواء المضاد للاكتئاب بدت اعراضه واضحة على المسكين ،يدا الطبيب تخطان وصفة دواء اخرى يمسكها في انتكاس و يمضي.. رجل يجر زوجته جرا يقسم انها مختلة عقليا و المرأة تصرخ تريد ان ترى ابنها الصغير، تشتمه باقذع الكلام فيما يواصل جرها و حين لا يستجيب الامن في المستشفى -لان السيدة لا تبدو عليها امارات الاختلال- يكسر زجاج النافذة في عنف !انتفض في خوف بينما يستمر الصراخ من جهة و الشتم من جهة اخرى تربت سيدة بقربي على كتفي: "لا بأس ستعتادون على الأمر"..
وجوه شاحبة شابة و طاعنة في السن تتشابه في شيء واحد الالم الذي نخر الروح و جعل منهم اشباحا تمشي على الارض ..اكتئاب ، انفصام ،محاولات انتحار..عقارات مهدئة و اخرى منومة بالجملة و ابر تغرز في الجسد الغض الذي اعياه الهم و الكمد ...قصص وحكايات ترويها اروقة مستشفى الطب النفسي المقابل للسجن المحلي لوهلة فطنت لموقعه الاستراتيجي، هناك حيث المساجين وراء القضبان الحقيقية وهنا مساجين من نوع اخر وراء اسوار اشد و اقوى...تنهدات المرضى وصراخهم ، ضحكات الممرضين و احلامهم ،نظرات السكرتيرة المخابرة ،تذمر الفتاة التي كانت تقلنا كل يوم من الطب ..و اشياء كثيرة في ذلك المستشفى الذي بدا اقرب الى بلاد العجائب منه الى مركز صحي اجملها كانت السنة المرضى التي لم تكن لتفتر عن الدعاء لنا...هذه الدعوات فقط هي الشيء الوحيد وسط تلك الفوضى الذي يجعلك تعشق ما تفعله.
اول تجربة في مستشفى الطب النفسي جعلت مني في البداية محط التهكم كأنني ساواجه ارواحا مختلة و انني لن اخرج منه سالمة على حد قول اصدقائي..في الواقع لم اخرج منه كما دخلت خرجت مولودة من جديد ..احسست بتفاهة مشاكلي الامتحانات ، مرارة الاغتراب و اشياء لا تساوي ذرة امام ما شاهدته ..
في كل يوم اعيشه ،اتيقن كم انا محظوظة ..نعم الله التي تحيطني و الغفلة التي انا فيها عنها ..ذلك المستشفى علمني فعلا كيف ان الصحة تاج فوق رؤوس الاصحاء لا يراه سوى المرضى...


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق